ولد بسبتة في شهر شعبان 476 هـ، نشأ في بيت علم ودين وصيانة وتلقى العلوم الأولى في سبتة حتى الثلاثين، فيها التقى بكثير من العلماء ومنهم أبو عبد الله محمد بن عيسى التميمي (ت 503 هـ)، والقاضي بن العربي (468 ‑ 543 هـ) وهما من شيوخه.
خرج من سبتة إلى الأندلس سنة 507 هـ فوصل قرطبة، فالتقى تلامذة بن عبد البر، والتقى بن رشد الجد (450 ‑ 520 هـ) شيخ المالكية صاحب المقدمات على المدونة، والقاضي أَبي عبد الله محمد بن علي بن حمدين (ت 508 هـ)، وأبى الحسين بن سراج (ت 508 هـ)، وابن الحاج الفقيه المشاوَر (458 ‑ 529 هـ)، وأبي محمد بن عتاب (433 ‑ 520 هـ) وغيرهم وأجاز له أبو علي الغساني الجياني (427 ‑ 498 هـ)، وأجاز له الشيخ أبو بكر الطرطوشي (451 ‑ 520 هـ). اجتمع له من الشيوخ بين من سمع منه وأجاز له نحو مائة شيخ، ألف فيهم فهرسة سماها الغنية.
ثم تحول إلى مرسية أو مورية سنة 508 هـ فأخذ عن القاضي الإمام الحافظ أبو علي الحسين بن محمد بن فيره بن حيون بن سكرة الصدفي (454 ‑ 514 هـ) شيخ المشايخ الذي أغناه عن الذهاب للمشرق (أفرد له عياض معجما وفاء له).
عاد عياض إلى «سبتة» غزير العلم، جامعًا معارف واسعة؛ فاتجهت إليه الأنظار، والتفَّ حوله طلاب العلم وطلاب الفتوى، وجلس للتدريس وهو في الثانية والثلاثين من عمره، ثم ولاه المرابطون القضاء بسبتة سنة 515 هـ ست عشرة سنة، ثم بغرناطة سنة 531 هـ برسالة من الخليفة، فضاق الولاة به لإقامته العدل فصُرف عنها سنة 532 هـ. عاد إلى سبتة للقضاء سنة 539 هـ وكان عند انتهائه من قضائه يقرأ عليه الشفاء.
ثم جاءت المحنة بانتشار دعوة بن تومرت فكان مع المرابطين وتم حصار أهل سبتة من عبد المومن الكومي وقاوموه فعاد.
أراد القاضي حقن الدماء فذهب لمراكش للاعتذار والاسترضاء، ولكن عبد المومن استبقاه ثم ألقاه ـفي صورة الإكرام وهو إهانةـ قضاء تادلة في الفلاة، حيث أقام ثلاث سنوات حتى مرض بها وضعف جسده فدعي لخروجه مع السلطان، ولكنه اعتذر.
وتوفي ليلةَ الجمعة التاسعَ من جمادى الآخرة سنة 544هـ بمدينة مراكش وسنه 68 سنة، ودُفن بباب أيلان داخل سور المدينة.
مما طاله من المحنة أنه قد أخفى قبره حتى جاء بنو مرين فكان لهم عناية بمن اضطهدوا في عهد الموحدين.
شخصية فريدة في تاريخ الإسلام؛ فما من علم طرقه إلا وخلَّف فيه كتابا أصبح عمدة «يعتمد عليه» أهل ذلك الفن، دون استثناء لأيّ من مؤلفاته، منها:
الكتاب المعتمد في بيان حقوق المصطفى ﷺ والدفاع عنه والذب عن جنابه الشريف.
المرجع الأساس في الترجمة لعلماء المالكية خلال القرون الأربعة الأولى.
من أهم شروح المغاربة لصحيح مسلم، وقد لقي عناية كبيرة من خلال تحشية وتعليق العلماء عليه.
من الكتب المعتمدة في شرح غريب ألفاظ الحديث، وقد خصَّصه للصحاح الثلاثة: الموطأ، وصحيح البخاري، وصحيح مسلم.
من المراجع المعتمدة في علم الرواية وأصول السماع، وقد أثنى عليه الحافظ ابن حجر العسقلاني واعتمده أهل المصطلح.
من الكتب المعتمدة عند المالكية، يُرجع إليه في شرح غريب المدونة، وضبط مشكلها، وتصحيح رواياتها.
متن عقدي فقهي معتمد، عليه شروح كثيرة، أشهرها شرح القباب الفاسي.
شرحٌ لحديث أم زرع واستخراجٌ لما تضمنه من الفوائد.
مختصرٌ فيما يلزم الإنسانَ من أمر دينه، أثبته بخطه في إجازته على نسخة الشفا.
أخذ عن القاضي عياض جمع كثير من أهل العلم في سبتة وغرناطة وقرطبة، ولتلامذته عنه كثير من المسموعات والمقروءات، وأشهرها كتابه «الشفا»، فقد رواه عنه وسمعه الجم الغفير. ومن أهم تلامذته الذين رووه عنه وانتشرت رواياتهم في الآفاق:
سمع من أبيه القاضي أبي الفضل، ومن ابن العربي وأجاز له. دخل الأندلس وولي قضاء دانية قبل سنة 570 هـ ثم قضاء غرناطة، وكان حميد السيرة نزيهًا متواضعًا، له مشاركة في الآداب والأخبار. توفي سنة 575 هـ، وهو صاحب «التعريف بالقاضي عياض».
روى عن القاضي عياض واختص بصحبته وملازمته، وسمع منه جل روايته وتواليفه، وهو من أسانيد «الشفا» المشهورة.